2 من ذو القعدة 1436 هـ
002
أَمِينُ
الأُمَّةِ
أَبُـو
عُـبَـيْـدَةَ بْنُ الْـجَـرَّاحِ
هو عامر بن عبد الله بن الجراح
القرشي الفهري، وكنيته التي اشتهر بها "أبو عبيدة بن الجراح"، ولد سنة
42 ق.ه/582م كان وَضِيءَ الوجه، بَهِيَّ الطَّلْعَةِ، نَحِيلَ الْجِسْمِ، طَويلَ
القَامَةِ، تَرْتَاحُ العَيْنُ لِرُؤيَاهُ، وَتَأْنَسُ النَّفْسُ لِلُقْيَاهُ، قَالَ
أَنَسٌ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ
لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينــًا، وَإِنَّ أَمِينَنَا أَيَّتُهَا الأُمَّةُ أَبُو
عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ)) صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب أبي عبيدة بن
الجراح رضي الله عنه، صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أبي عبيدة بن
الجراح رضي الله عنه، رقم الحديث [53] (2419) والأمين
هو الثقة المُرضي، وقال العلماء: والأمانة مشتركة بينه وبين غيره من الصحابة لكنَّ النبي صلى الله
عليه وسلم خصَّ بعضهم بصفات غلبت عليهم وكانوا بها أخص. شرح الإمام النووي
لصحيح مسلم
كان من السابقين الأولين إلى الإسلام، فقد أسلم على يد الصِّدِّيق،
ومضى به هو "وعبد الرحمن بن عوف"، "وعثمان بن مظعون"، "والأرقم بن أبي
الأرقم" إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأعلنوا بين يديه إسلامهم، فكانوا
القواعد الأولى التي أُقيم عليها صرح كلمة الحق والإسلام العظيم؛؛ وعاش تجربة
المسلمين القاسية في مكة منذ بدايتها إلى نهايتها، وعانى مع المسلمين من ضراوة تلك
الأيام وعنفها وآلامها وأحزانها، وكان ممن
هاجروا من المسلمين هجرة الحبشة الثانية.
وفي غزوة بدر .. كان أبو
عبيدة مقاتلاً مغواراً يصول بين الصفوف لا يَهَابُ الرَّدَى، فهابه المشركون وخافه
فرسان قريش، لكنَّ رجلاً واحداً برز له في كل اتجاه، وسدَّ عليه المسالك ووقف
حائلاً له من كل جانب، "ألا وهو أبوه"، فضرب أبو
عبيدة رأسه بالسيف ضربة فَلَقَتْ هامَتَه فَلْقَـتَيْن، فخرَّ الرجل صريعـــًا بين
يديه، ولم يقتل أبو عبيدة أباه وإنما قتل الشرك في شخص أبيه، وهذا الموقف العصيب
فعله أبو عبيدة وغيره من الصحابة الكرام ونزل فيه قول الله تعالى: [لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ
اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ
إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ
وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا
الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ
حِزْبُ اللهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22)]المجادلة 022
وفي غزوة أحد .. كان في
أبي عبيدة رضي الله عنه موقف الأبطال الذي يظهر فيه بصدق وإخلاص حب الله ورسوله، حينما اشتد الحال على المسلمين وأخذ الكفار لعنة الله عليهم
يبحثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتلوه؛؛ وبادر أبو بكر وأبوعبيدة إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم لحمايته؛؛ وقد كُسِرَتْ رَبَاعِيَّتُه(1) وَشُجَّ في وجهه وقد دخل في وَجْنَتَيِّهِ حَلْقَتَانِ من حَلَقِ
الْمِغْفَر، فأقبلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأراد أبو بكر ما أرادَ أبو
عبيدة من نزع الأذى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتركه أبو بكر حينما أقسم
عليه في طلبه، وكره أبو عبيدة أن يزعزعها بيده فيؤذي النبي صلى الله عليه وسلم فعضَّ
عليه بثنيته(2) عضــًا قويــًا ونزعها
ووقعت ثنيته، وعضَّ على الأخرى فصنع مثل ذلك ونزعها ووقعت ثنيته؛؛ قال أبو بكر: (وكان أبو عبيدة اهتم
الثنايا) مختصر من مستدرك الحاكم كتاب معرفة الصحابة رضي الله عنهم أجمعين
(1)
الرباعية: السن التي ما بين الثنية والناب
(2) الثنية: وجمعها ثنايا وهي أسنان مقدم الفم
يوم السقيفة .. وهو يوم مبايعة أبي بكر الصديق من بعد وفاة رسول الله صلى الله
عليه وسلم، وتمت البيعة في سقيفة بني ساعدة، ويروي الإمام أحمد في مسنده، قال عمر لأبي عبيدة بن الجراح: ابسط يدك حتى أبايعك فإني سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول: أنت أمين هذه الأمة فقال أبو عبيدة: ما كنت لأتقدم
بين يدي رجل أمره رسول الله صلى الله أن يأمنا فأمنا حتى مات، وبويع أبو بكر فكان أبو عبيدة خير ناصح له في الحق وأكرم معوان
له على الخير.
الفتوحات الإسلامية .. شارك رضي الله عنه في فتوحات بلاد الشام كجندي
وكأنه بفضله وإقدامه أمير، وكأمير وكأنه بتواضعه وإخلاصه كأمير، ولاه أبو بكر
القيادة العامة في أرض الشام، فلما تحرَّج موقف المسلمين في أرض الشام واجتمعوا
باليرموك، ولَّى أبو بكر خالدًا منصب القيادة العامة في الشام بدلاً من أبي عبيدة
الذي بقي على جند "حمص"، ولكنَّ الفاروق عمر أعاده إلى منصب القيادة العامة بعد وفاة
أبي بكر، وكان يقول عنه: "لا أمير على أبي عبيدة".
وكتم أبو عبيدة الخبر أثناء حصارهم لدمشق حتى
انتهت المعركة، وعلم خالد بأمر عزله، فأقبل حتى دخل على أبي عبيدة، فقال: "يغفر
الله لك .. أتاك كتاب أمير المؤمنين بالولاية فلم تُعلمني، وأنت تصلي خلفي
والسلطان سلطانك"، فقال له أبوعبيدة: "وأنت
يغفر الله لك، ما كنتُ لأُعلمك ذلك حتى تعلمه من عند غيري، وما كنتُ لأكسر عليك
حربك حتى ينقضي ذلك كله .."، وهكذا كان الأمراء والفرسان. من كتاب أصحاب الرسول، جمع وتحقيق محمود
المصري جـ1، صـ278
اشتهر رضي الله عنه بالحلم والرفق وسعة الصدر
والأمانة والصدق وحب السلام، فأحبوه أهل الشام، وكان من أثر ذلك أن كثر تسليم مدن
الشام له صلحــًا، وأسلم على يديه رسول من وزير ملك الروم بعد أن شرح الله صدره
للإسلام، واستجاب لدعوة أبي عبيدة، فصاح بين المسلمين: "اشهدوا
عليَّ بأجمعكم، أني من المسلمين".
وتوفاه الله تعالى
عام 18ه/639م بعد ما أصابه الطاعون الذي دهم بلاد الشام، طاعون ما عرف الناس مثله
قط فجعل يحصد الناس حصدا، ولما حضرته الوفاة أوصى جنده فقال: "إني موصيكم بوصية إن قبلتموها لن تزالوا بخير؛؛ أقيموا الصلاة،
وصوموا رمضان وتصدَّقوا، وحجوا واعتمروا، وتواصوا وانصحوا لأمرائكم ولا تغشُّوهم،
ولا تُلْهِكُمُ الدنيا، فإنَّ المرء لو عُمِّرَ ألف حول ما كان له بُدٌّ من أن
يصير إلى مصرعي هذا الذي ترون .." صور من حياة الصحابة، د/عبد الرحمن
رأفت الباشا جـ2، صـ19


جزاك الله خيرا وجعلها الله لك في ميزان حسناتك يارب امين
ردحذف