الاثنين، 27 يوليو 2015

مُصْـعَـبُ بْنُ عُـمَيرْ - أَوْلُ سَفِيرٍ في الإِسْلامِ



11 من شوال 1436 هـ     001
أَوْلُ سَفِيرٍ في الإِسْلامِ
مُصْـعَـبُ بْنُ عُـمَيرْ

 
هو "مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف" وسمَّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم "مصعب الخير"
كان من أنعم فتيان مكة، لم يكن هناك من يلبس مثل ثيابه ولا يضع مثل عطره، يصف المؤرخون والرواة شبابه: "كان أعطرَ أهل مكة"، كان يتسم بأناقة المظهر ورجاحة العقل، وكان زينة المجالس والندوات.
ويتغير هذا الفتى المترف المُنَّعم المدلل من حال إلى حال، من حياة الرفاهية والنعيم وأفخم الثياب وأغلاها وجميل العطور وأحلاها إلى حياة شظف العيش وثياب خشن، ولكن مع إيمانٍ ثابت وإيثارٍ للحق وحبٍ لله ورسوله.
دخل مصعب إلى الإسلام وهو يعلم أنها أمانة عظيمة يحملها، وكان في بداية الأمر يكتم إيمانه خوفــًا من أمه وبطشها، والتي كانت تتمتع بقوة عجيبة في شخصيتها، وكانت ذات صلة كبيرة به وتعطيه رفاهية شديدة في حياته.

ورآه "عثمان بن طلحة" وهو يدخل إلى دار "الأرقم بن أبي الأرقم" – وكان المسلمون يجتمعون سرًا في هذا الدار في بداية الدعوة – ثم رآه وهو يصلي، فأسرع بإبلاغ أمه وأخبرها عن إسلام مصعب، ووقع عليها الخبر كالصاعقة وهمَّت بضربه إلا أنَّ صلابتة النابعة من إيمانه جعلها تتراجع عن ذلك، واكتفت بحبسه في دارها.

وظل رهين محبسه ذاك حتى خرج بعض المؤمنين مهاجرين إلى أرض الحبشة، فغافل أمه واستطاع الهرب من حرَّاسه، وعن ليلى بنت أبي حثمة – امرأة عامر بن ربيعة – قالت لما اجتمعوا على الخروج – أي إلى الحبشة –  جاءنا رسول الله فقال: ((إن مصعب بن عمير قد حبسته أمه وهو يريد الخروج الليلة))، فإذا رقدوا قال عامر بن ربيعة: فنحن ننتظره ولا نغلق بابًا دونه فلما هدأت الرجل جاءنا مصعب بن عمير فبات عندنا وظل يومه حتى إذا كان الليل خرج متسللاً ووعدناه فلحقه فيه وأدركناه فاصطحبناه قال: وهم يمشون على أقدامهم وأنا على بعير لنا, وكان مصعب بن عمير رقيق البشر ليس بصاحب رجله, ولقد رأيت رجليه يقطران دمًا من الرقة فرأيت عامر خلع حذاءه فأعطاها, حتى انتهينا إلى السفينة فنجد سفينة قد حملت ذرة وفرغت ما فيها جاءت من مور فتكارينا إلى مور, ثم تكارينا من مور إلى الحبشة, ولقد كنت أرى عامر بن ربيعة يرق على مصعب بن عمير رقة ما يرقها على ولده وما معه دينار ولا درهم وكان معنا خمسة عشر دينار.
ولقد تحمَّل المشقة والتعب في سبيل الله من بعد حياة منعمة مترفة ذات رفاهية عالية، وصدق الله إذ يقول: [مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ]الأحزاب 023، وهاجر مصعب هجرة الحبشة الأولى، وهجرة الحبشة الثانية.

وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة بعد أن بايع اثنا عشر رجل من الأنصار بيعة العقبة الأولى، فكان معهم ليعلمهم مبادىء الإسلام ويقرؤهم القرآن، وكان يأتيهم في دورهم فيدعوهم إلى الإسلام، وفي موسم الحج التالي رافق سبعين من الأنصار في بيعة العقبة الثانية، وأسلم معه سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، وكذلك أسيد بن حضير بعد ما قدم عليه هائجـًا متوهجــًا وهو يرفضه رفضــًا قاطعـًا، فقال له مصعب بلسانه الطيب: (أو لا تجلس فتستمع! فإن رضيت أمرنا قبلته؛؛ وإن كرهته كففنا عنك ما تكره) وقرأ عليه القرآن حتى أخذت أسارير أسيد تبرق وتشرق وقال (ما أحسن هذا القول وأصدقه .. كيف يصنع من يريد أن يدخل في هذا الدين)، فأجابه مصعب وقال:(يطهر ثوبه وبدنه، ويشهد أن لا إله إلا الله)، فغاب أسيد عن المجلس غير قليل، ثم عاد يقطر الماء الطهور من شعر رأسه، ووقف يعلن أنه يشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله.

"وفي غزوة بدر" .. كان أبو عزيز بن عمير أخو مصعب بن عمير لأبيه وأمه من أسرى بدر، فقال أبو عزيز: مرَّ بي مصعب ورجل من الأنصار يأسرني –وهو أبو اليسر– فقال له مصعب: شُدَّ يدك منه فإن أمه ذات متاع لعلها تفديك منه، فقال له أبو عزيز: يا أخي هذه وصاتك بي! قال مصعب: إنه أخي دونك، وسُئلتْ أمه أغلى ما فُدي به قرشيّ، فقيل لها: أربعة آلاف درهم، فبعثتْ بأربعة آلاف درهم ففدته بها.سيرة ابن هشام، وقول مصعب بن عمير لأخيه عن من أسره: إنه أخي دونك، فقد قدَّم الأخوة الإيمانية على أخوة الرحم، وقدَّم العلاقة الدينية على علاقة النسب، وقد قال الله تعالى لنوح عليه السلام في حق ابنه الكافر: [إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ]هود 046

"وفي غزوة أحد" .. حمل مصعبٌ اللواء ولمَّا تغير الحال على المسلمين من بعد بوادر النصر واشتد الأمر عليهم، ثبت مصعب وأقبل عليه أحد الكفار يسمى ابن قمئة وضرب يده اليمنى، ومصعب يقول: [وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ]آل عمران 144، وأخذ اللواء بيده اليسرى وحنا عليه فضرب يده اليسرى فقطعها, فحنا على اللواء وضمه بعضديه إلى صدره وهو يقول: [وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ]آل عمران 144، ثم حمل عليه الثالثة بالرمح فأنفذه واندق الرمح ووقع مصعب وسقط اللواء, وسقط شهيدًا رضي الله عنه وأرضاه.
عَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ قَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فِي سَبِيلِ اللهِ نَبْتَغِي وَجْهَ اللهِ، فَوَجَبَ أَجْرُنَا عَلَى اللهِ، فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئاً، مِنْهُمْ مُصْعَبُ بَنْ عُمَيَرٍ قُتِلَ يَوْمَ اُحُدٍ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ شَيءٌ يُكَفِّنُ فِيه إِلاَّ نَمِرَةٌ، فَكُنَّا إِذَا وَضعْنَاهَا عَلَى رَأَسِهِ خَرَجَتْ رِجْلاَهُ، وإِذَا وَضَعْنَاهَا عَلَىَ رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ، فَقَال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((ضَعُوهَا مِمَّا يَلِي رَأْسَهُ وَاجْعَلُوا عَلَىَ رِجْلَيْهِ الإذْخِرَ))، وَمِنَّا أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا.صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة أحد، رقم الحديث 3897، صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب في كفن الميت، رقم الحديث [44] (940)، والإذخر: نبات

رضي الله عنه وأرضاه، كان من الرجال الحق الذين تركوا حياة فانية ومتاعها إلى حياة باقية وخلودها رغم الرفاهية والنعيم الذي نشأ فيه وانقلاب حاله إلي ضيق عيش ومشقة، فمع إيمان راسخ وإخوة صادقة وتراحم وتلاحم في عقيدة صحيحة تهون معها الصعاب، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أُتي له بطعام وكان صائمـًا، فقال: قُتل مصعب بن عمير وهو خير مني كُفِّنَّ في بردة، إن غطي رأسه بدت رجلاه وإن غطي رجلاه بدا رأسه، وقال: وقُتل حمزة وهو خير مني، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط، أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا، وقد خشينا أن تكون حسناتنا عُجِّلتْ لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام. صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب إذا لم يوجد إلا ثوب واحد

هناك تعليق واحد:

  1. جزاك الله خيرا وبارك الله بك *** ولي طلب منك اخي الحبيب *** ليتك تكمل باقي الصحابة ....

    ردحذف